ما يكتبه العدم عنا: أنثروبولوجيا النفايات
لطالما فتنتنا المتاحفُ بما انتقته من نفائس، وحرصنا على تدوين سيرتنا من خلال المقتنيات التي نتباهى بحيازتها؛ لكن الحقيقة التي نهرب منها هي أن هويتنا لا تكمن فيما نضعه على الرفوف، بل فيما نلقي به في سلال المهملات. إن دراسة النفايات، أو ما يُعرف بـ Garbology، ليست دراسة لما استُهلك، بل لما انتهى معناه؛ وقد أصبح فرعاً من فروع الأنثروبولوجيا وعلم الآثار الحديث، حيث يدرس الباحثون ما نتركه لنكشف حقائقنا المخفية.
كنت أقرأ يوماً لـ ميشيل فوكو عن "الأرشيف"، وكيف أن السلطة هي من تقرر ما يُحفظ في الذاكرة وما يُنفى منها. خطرت لي حينها فكرة مرعبة: ماذا لو كانت سلة مهملاتنا هي "الأرشيف الحقيقي"؟ التاريخ الصادق الذي لم تمتد إليه يد الرقابة لتجمّله. نحن نكذب في المتاحف، لكننا لا نملك طاقة للكذب أمام سلة القمامة.
في إحدى الليالي، ترددتُ طويلاً قبل أن أحذف نصاً قديماً كتبته. لم يكن رديئاً، بل كان صادقاً على نحوٍ مُحرج. حين قرأته بعد زمن، لم أرَ الكلمات كما هي، بل رأيت نفسي كما كنتُها آنذاك؛ مكشوفةً أكثر مما ينبغي. لم أحذفه لأنني لم أعد أؤمن به، بل لأنني لم أعد أحتمل تلك النسخة مني وهي تنظر إليّ من بين السطور. في تلك اللحظة، فهمت أن ما نحذفه لا يختفي، بل ينزلق من ذاكرتنا الرسمية ليستقر في قاع ذواتنا كأثر لا يُمحى.
يصف زيجمونت باومان حياتنا المعاصرة بأنها "حياة سائلة"، حيث القيمة ليست في البقاء، بل في سرعة التخلص من الأشياء. نحن لا نتخلص من الأشياء لأنها فسدت، بل لأننا انتهينا من استنزاف معناها لنتفرغ لاستهلاك معنى جديد. ولعلنا لا نرمي وحدنا تماماً؛ إذ تتسلل إلينا إيقاعات خفية، تُعلّمنا متى نملّ، ومتى نستبدل، دون أن ننتبه. القمامة، بهذا المعنى، هي "سيولتنا" المتجمدة؛ بقايا هوياتنا التي خلعناها عنا كجلدٍ قديم. مسودة ممزقة، قارورة عطر فارغة، رسالة لم تُرسل، كلها ليست نفايات، بل هي "أنا" التي انتهت صلاحيتها الوجودية.
في زوايا المدن الصامتة، يتحرك النبّاشون كأشباحٍ تطارد ما لفظناه. نحن لا نراهم، ليس لأنهم غير موجودين، بل لأن هندسة الرفاهية في مدننا صممت لتعقيم المشهد وعزلنا عن كل ما يذكرنا بفضلاتنا أو بمن يقتاتون عليها. إنهم يعملون في عتمة الفجر أو خلف أسوار المكبات البعيدة، بعيداً عن أعيننا التي تفضل الأرصفة اللامعة على الحقائق العارية.
نحن نراهم جامعي خردة، لكنهم في العمق نقاد ماديون بامتياز؛ فبينما يحلل الناقد الأدبي السطور ليستخرج منها معنى خفياً، يحلل هؤلاء المادة المتروكة ليستنطقوا منها قيمةً حجبها عنا ترفنا. فبينما يرى ترفنا في "عبوات الألومنيوم" الفارغة مجرد عائقٍ بصري، يراها النبّاش معدناً نبيلاً يُفرز بدقة ليُباع بالكيلوغرام إلى ورش الصهر، ليعود إلينا غداً في هيكل سيارة أو إطار نافذة. وبينما نلقي بالأجهزة الإلكترونية المعطوبة كنفاياتٍ تقنية، يفككها النبّاش بصبر الجرّاح ليستخرج منها لوحات الدوائر الغنية بالنحاس والذهب، ليبيعها لتجار الخردة (السكراب) الذين يعيدون تصديرها لمصانع إعادة التدوير الكبرى.
هنا يكمن الصدق الجارح: لولا الحاجةُ والمَسغبة لما اختار إنسانٌ أن يغوص في حطام الآخرين، وهم يكرهون تلك الظروف التي جعلت أجسادهم ممراً لنفاياتنا، لكنهم بمرور الوقت يكتسبون نبوءة المادة؛ فيتحول القذر في أعينهم إلى "مورد"، وتصبح "القمامة" لديهم ثروة سائلة تُصرف في أسواق "الحراج" الشعبية أو عند وسطاء التدوير، ليثبتوا لنا أن القبح ليس خاصية في الأشياء، بل هو انقطاعُ علاقتنا بها.
وفي خضم حياتنا السائلة، يظل النبّاشون هم فعل المقاومة الأخير ضد الهدر؛ إنهم يحيون بحاجتهم ما قتلناه نحن بإهمالنا، ليؤكدوا أن لا شيء يذهب سُدى في هذا العالم، إلا ما قررنا نحن تعميته بالنسيان، أو خنقه بأسوار أحياءنا الراقية.
ولأن القمامة لا تجيد المواربة، لم تكن سلالنا مجرد سقط متاع، بل تحولت إلى "مخبرين سريين" يعملون لصالح السلطة. تخيلوا أن وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) لم تسقط الجاسوس الشهير "ألدريتش أميس" نتيجة التنصت وحده، بل وشت به قصاصات ورقية صغيرة في كيس مهملاته؛ كانت هي الدليل القاطع الذي لم يستطع إنكاره.
أما الصدمة الأكبر، فكانت في صناديق القمامة التابعة الداعية التلفزيوني الأمريكي "روبرت تيلتون"؛ فبينما كان يظهر على الشاشات ليدعو للناس بالبركة، كانت حاوياته تضج بآلاف الرسائل من الفقراء الذين سكبوا فيها صلواتهم وتوسلاتهم، ألقاها "تيلتون" بدم بارد بعد أن استخرج منها التبرعات المالية. القمامة لم تكن مجرد نفاية، بل كانت اعترافاً لم يجرؤ أحد على قوله فوق المنابر.
هنا تظهر المفارقة: بينما يسعى الإنسان لتخليد نفسه عبر ما يحتفظ به، فإن أثره الحقيقي يكمن فيما تخلص منه. أجسادنا تفنى، لكن نفاياتنا تبقى. البلاستيك الذي لمس أيدينا سيبقى بعدنا بقرون. وكأننا نكتب سيرتنا الذاتية بلغةٍ لا تمحى، لغة يكتبها "العدم" عنا بصدقٍ جارح.
ربما، في النهاية، لا نُعرف بما جمعناه، بل بما لفظناه؛ ليس بما اخترنا الاحتفاظ به، بل بما عجزنا عن الاستمرار في حمله. سلة المحذوفات ليست مكاناً للفناء، بل هي الأرشيف المضاد الذي يقول عنا ما لا نجرؤ نحن على قوله. فإذا أردت أن تعرف من أنت حقاً، لا تنظر إلى ما تعرضه في غرفتك.. انظر إلى ما أخرجته من حياتك تحت جنح الظلام.


لِكتابتكِ عمقٌ حقيقي. أكثر ما يلفتني فيها هو قدرتكِ على أخذ الأشياء والصور وشذرات الشعور، وتحويلها إلى شيء أكثر كشفًا لمعاني الذاكرة، والهوية، والإنسان. كتابتكِ تبدو متأملة، متعددة الطبقات، وحية جدًا.
Subscribed…thanks for you.
مقال رائع جدا ويلامس الواقع ويلامس انفسنا من الداخل👏🏻👏🏻